تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر لسيد كاظم الحائري

104

مباحث الأصول

الاحتياط ، وحيث إنّ الأصحاب كانوا يعتقدون بقبح العقاب بلا بيان بحكم العقل لم يكن يهمّهم إثبات ما يساوق البراءة العقلية في الرتبة بدليل شرعي ، وإنّما كان مقصودهم خصوص إثبات البراءة التي هي أرقى مرتبة من البراءة العقليّة ، ولا يرتفع موضوعها ببيان الاحتياط ، فأشكل على هذه الآية بهذا الإشكال : وهو عدم دلالتها على ما هو أرقى من البراءة العقليّة . أقول : كأنّ هذا نشأ من تخيّل أنّ المراد بالموصول في قوله ما يتّقون هو ذات الحكم ، فيقال : إنّه لا فرق بين بيان الحكم الواقعيّ وبيان الحكم الظاهريّ ، فبيان وجوب الاحتياط الَّذي هو حكم ظاهري أيضا بيان لما يتّقون ورافع لموضوع الآية . والتحقيق : أنّ الظاهر من الموصول ليس هو الحكم ، فإنّ الحكم ليس ممّا يتّقى منه ، وهو ثابت على أيّ حال بجعل الشارع ، وإنّما الَّذي يتّقى منه إمّا هو العقاب ، وإمّا هو مخالفة الحكم ، - أي فعل الحرام - والمقصود بالموصول ليس هو العقاب ، فإنّ الآية جعلت العقاب متأخرا رتبة عن البيان ، والمفروض تعلَّق البيان بما يتّقون ، فيحب أن يكون ما يتّقى منه ثابتا في الرتبة السابقة على البيان والتنجّز ، فليس هو العقاب ، فيتعيّن الثاني وهو فعل الحرام ، فإذا اتّضح لك أنّه يجب أن يفرض ما يتّقى شيئا ثابتا يتّقى منه في الرتبة السابقة على البيان والتنجّز ، وهو عبارة عن موضوع المنع الشرعي ، قلنا : من الواضح أنّ الَّذي يتّقى منه قبل التنجّز ، أي يحسن الاتّقاء منه بمجرد الاحتمال - وإن كان غير منجز - إنّما هو موضوع المنع